باسل السعدي وجهاد مسعود
تكافؤ في الارتباك بين الشكل والدلالة
بقلم نديم الوزه
ربما ما ينبغي الإشادة به بداية كنوع من الاعتراف المسبق بمهارة يمكن احترامها في كلا المعرضين المقامين أواخر أيار 2002 للفنان باسل السعدي – غاليري المدى، وللفنان جهاد سعود – غاليري شورى، هو هذا التخلي الجريء عن إطار اللوحة التقليدية والبحث عن إمكانيات تقنية أخرى اتكاء على مواد مختلفة قد يكون أكثرها لفتاً للانتباه صفائح الحديد وألواح الخشب، لكن إمكانية التوقف هنا قد لا تطول كثيراً طالما أن هذا الفعل بذاته قد لا يضيف شيئاً جديداً لما صار معروفاً حتى في التشكيل السوري ولا سيما لدى تجارب استطاعت فعلاً أن تحقق هذا التماهي الأصيل بين التشكيل ومادته وربما يكون الحديث عنها مستقلة أكثر جدوى حين توفر مشاهدة كافية لأعمالها. أما الآن فأكتفي بما هو متوفر في هذين المعرضين وإن كانت أهميته لا ترقى إلى ما يثيره من كلام أجده ضرورياً للحوار بحثاً عن تشكيل سوري فاعل في الارتقاء ليس بالفن وحسب وإنما وقبل ذلك بالإنسان الذي يتفاعل معه،و ربما التفكير بذلك كله هو ما جعلني شديد الأسف حقاً حين خروجي من معرض الفنان جهاد مسعود وليس في ذهني سوى فكرة ربما لا تتوافق أبداً مع وظيفة الفنان أو الغاليري أي غاليري يدعي أنه يقدم فناً تشكيلياً أولاً وليس دكاناً لبيع المنجور المزين أو اللوحات التي تشبهه.. هذه الفكرة سوف تؤكد على أن البعد السياحي للفن لا يعني بأية حال من الأحوال استغباء لمريدي السياحة وإن كانت داخلية من جهة، لتؤكد على أن الانتماء البيئي والحضاري لا يعني الولاء للعصور المظلمة وأشكالها من جهة ثانية، ولتؤكد على أن استعارة تقنيات فنان آخر دون أية إضافة رؤيوية بل ومسخها عبر تفريغها من أية علاقة دلالية لا يعني سوى فعل ينتمي لتلك العصور المنحطة بكل ما تعنيه هذه الكلمة إبداعياً من جهة ثالثة، وكأن الفنان جهاد سعود يستعرض مهارة أقصى ما يمكن أن نشاهده منها هو هذه الثنائية المتعبة من شدة استهلاكها بين الفعل وانعكاسه فتبقى العين بلهاء لا تلتفت كثيراً إلى ما تراه إلا كالنظر إلى الأشكال المنتقاة في ورق الجدران أو السجاد أو الملابس أو الإكسسوار وما إلى ذلك.
لا أعرف إن كان الفنان باسل السعدي قد فكر في هذا وإن بشكل مغاير حتى إنني تساءلت وأنا أستعرض أعماله إن كان يعمل في مصنع للحديد أو أنه، وهذا هو المرجح، مصاب بعقدة حضارية ما، يحاول السيطرة عليها من خلال اشتغاله الدؤوب على تشكيل الصفائح الحديدية وفق رؤية لا تجد في الحياة سوى القسوة أو الخوف من الانفجار القاتل التي تدل عليه الزجاجات، لكن هذا التأويل الافتراضي قد يوازي تأويلاً آخر يقارب للمتلقي الاستهلاك الجنسي وإفراغه للروح من أية لغة إنسانية بما يدل على القسوة ذاتها ولكن بملامح أشد تعقيداً؟، والحل أن يقوم الفنان بتنويع التشكيل على ثيمة واحدة قد لا تعني في النهاية سوى استطراف لها واستغراق في سهولة هي جارحة في فظاظتها المباشرة لما تريد قوله وخاصة أن العرب ما يزالون في انتمائهم الحضاري مخلصين للحجارة والتراب والرمال ولم يستعيدوا ألفة الحديد الذي افتقدوا ملمسه الحضاري على الأقل..
أخيراً من المؤكد أن المقارنة بين الفنانين – موضوع هذا المقال – ليست تفاضلية بقدر ما هي إيضاحية بين تناقض الأفكار وتساويها إذ أن فظاظة المعنى في افتقاده لأشكاله قد تساوي فظاظة الشكل في افتقاده لمعانيه، لكن هذا القياس المنطقي قد لا يصح دائماً حتى في تصنيع الصناديق، أما ما هي الأشكال والأفكار المتوارية داخلها؟ فهذا ما قد يجيب عليه باسل السعدي وجهاد سعود في الأيام القادمة.
نشر 18/6/2002