نديم الوزه - فن تشكيلي

 

الفنان الإيطالي فاستو ميلوتي

بقلم نديم الوزه

الفنان الإيطالي فاستو ميلوتي كان القول يعنمد على الحدس إذن ! هذا ما أفكر به الآن و أنا أستذكر " ألوان فان كوخ و أشكال بيكاسو و ملصقات سلفادور دالي " توصيفات تضمنتها مجموعتي الشعرية " خارج الجحيم " و أعيد اعتبارها بمناسبة زيارتي لمعرض الفنان الإيطالي فاوستو ميلوتي( 1901-1986)المقام في مكتبة الأسد بين 12-25 آذار 2001 .

مررت بالأعمال كعابر يحاول استحواذ أكبر قدر ممكن من المشاهد قبل أن يفوته الوقت إذ كلن علي أن أصعد إلى قاعة القراءة لأن علي ماأعمله و خاصة أن الفنون الحسية تثير شهيتي

كان من حسن حظي أن تلقيت الكتاب الذي يتضمن الأعمال المعروضة " منحوتات ذهبية و نحاسية ، سيرميك و جبس ، روسومات و تقنيات على الورق " و إلا كنت سأنسى ، تاركاً الفرجة تذهب بعيداً إلى أغوار نفسي ، و لا أضطر إلى كتابة ما أكتبه مفوتاً علي متعة أن أنقل ما يجول في دواخلي إلى حيز حسي تبصره عيناي على الأقل .

و أنا أقلب الكتاب استوقفتني دراسة ألفها أ. م . هماخر اعتبر فيها أن عمل ميلوتي مضاد للطبيعة ،عبارة حادة و طريفة تختزل مفهوم الحداثة الغربية برمتها . كلمة مضاد بالذات هي ما أثارتني وجعلتني أفكر كم هو التركيز على المعارك يريح هؤلاء الذين يعيشون علىمقربة منا . طبعاً أنا لدي رأي مناقض فعلى الرغم مما تثيره هذه الأعمال من سخرية أحياناً إلا أن مبدعها هو فنامن وشاعر و ليس جندياً في جيش موسوليني . و لفي الحقيقة ثمة فكرة أجدى أو أكثر جدية تتعلق بالسيطرة على الطبيعة _ كنت أفكر أنه كان من الأفضل لو نستطيع مشاركة الطبيبعة حيناً وتحييدها حيناً بدل إخضاعها كلياً و هذا ما لم و ربما لن نوفق به . نحن نمتلك امتداداً طبيعياً أيضاً، بل ثمة طبيعة إنسانية ،جوانية، هي ما تجعلنا نبدع و لغاية غالباً قد تكون لكي نغني هذا الخواء امتلاء أو هذاالامتلاء الأصم فسحة ( هنا أشكر الأستاذ أنطون مقدسي على تذكيري بهذه الكلمة الدالة فعلاً ) بهذا المعنى أستطرف أعمالاً تجريدية مثل هذه التي يبدعها هذا الرسام الإيطالي، إن تركيزه على المعمار كما يبين هماخر ليس شيئاً آخر سوى محاولة لجعل الطبيعة إنسانية أكثر ، أليفة، و بمتناول العقل إذا أمكن .

الفنان الإيطالي فاستو ميلوتي يركز البير فيز على كلمة " موضوعات " هي عنوان لدراسته التي تضمنها الكتاب أيضاً، الموضاعات تعني فيما تعنيه هذه الكتل و الخطوط التي تحاول الاندفاع و لكن دائما إلى نقطة تهاية . و هذا بحد ذاته شيء لافت بل هو غالباً ما يجعل لأعماله خصوصية ربما تكون جارحة لدى البعض ممن يصدمهم هذا الإيقاع النافر و المباشر .

فيز يذكر كذلك كلمة " الشكل " باعتبارها شغل ميلوتي الذي كان قد أوضح بدوره أن عمله هو تنسيق أو هندسة للأشكال ، أشكال تكعيبية و تجريدية و ما إلى ذلك من مصطلحات لا أستسيغها و أود لو أنني لا أفهمها ، لماذا ؟ لكي أفكر على هواي ، و لكن على أن أكون مفهوماً بكل تأكيد

كنت قد ألمحت إلى أن الحداثة تقوم على التحرر من جبرية الطبيعة ، ميلوتي كان يعي ذلك على الأرجح طالما هو يتمثل إحدى مقولات الحداثة الأكثر شهرة أقصد حين اعتباره للعقل بدلاً من حسية الطبيعة و دوافعها و غرائزها ، كان يعيه بتفكيره و لكنه في إبداعه كان يعي شيئاً مضافاً هو أعماله الفنية ذاتها . هذا الشيء المضاف أو الفائض عن الطبيعة الحسية هو كينونته الإنسانية باعتباره فناناً قد لا يستجيب للعالم أو يعيد تمثله بقدر ما يحاول أن يعيد صياغته جوهرياً إذا ما استعملت التعبير الأكثر تواضعاً. إعادة الصياغة هذه تعني نقضاً للمحاكاة أو كما يحلو لي أن أعبر تكسيراً للمرايا . لكن هذا قد لا يحدث دائماً، غير أنه من الواضح أن ميلوتي قد قدم مثالاً جريئاً لكيفية ذلك.

الفكرة هي أن الحداثة التي جاء بها ميلوتي أو بيكاسو أو أمثالهما لم تعد تعتبر الفن حالة إشباع لما لم يتم إشباعه و إنما هي فعل يشارك في الإثارة و التحريض من أجل الاندفاع .نحن بحاجة دائماً إلى مزيد من الأشكال الجديدة و هذه الأشكال قد لا تتوافر على السطح بهذه السهولة فما يمتلىء العالم الخارجي به هو وفرة من المتشابهات و لم تفعل الهندسة المعمارية أو هندسة المدن شيئاً مختلفاً عن الطبيعة ، حتى في المدن الأكثر رقياً نحن بحاجة دائمة لمن يكنس اتلشوارع و الساحات .

هذا الازدحام الذي يضج بالجدران و الرؤوس المتطلامة و الأضواء الملونة ربما هو ما جعل ميلوتي منكفئاً، صار الجسد لوناً و الشكل خطاً و الحركة حداً، شيء أكثر تطرفاً من أشكال بيكاسو و منظوراته ، فهنا الحاجة ملحة إلى فراغ أو بتعبير أدق إلى فسحة تذكرنا بمساحات غير مكتملة وينبغي _ بعد أن عرفنا مساحات الطبيعة و امتلاءات المدن _ أن نفعل شيئاً، هل هو خرم الإبرة الذي قصده النفري منذ أكثر من ألف سنة ؟ ولكن ليس بنفس الدلالة ، فنفاد الصبر هو ما يسم العصر الحديث و لهذا علينا أن نبتكر أشكالاً قد لا تكون مثل هذه التي ابتكرها ميلوتي و لكن تحتمل ذات النزوع و إن إلى ما هو غير مرئي و ربما غير متحقق!..
الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا